يوسف بن أبي بكر السكاكي

25

مفتاح العلوم

ونحن نوافق الشيخ المراغي في ذلك تمام الموافقة ؛ إذ لا ضرورة لذلك التقسيم الذي استحدثه السكاكي ، وتكلف لتطبيقه أيّما تكلف ، مخالفا بذلك أئمة البلاغة والفصاحة والبيان ، الذين لم يفرقوا في كلامهم بين تلك الألفاظ . وهذا ما يقرره عبد القاهر - غير مفرق بين تلك المصطلحات ( البلاغة ، والفصاحة ، والبيان ) - حينما يقول : " فصل تحقيق القول على البلاغة والفصاحة والبيان والبراعة ، وكل ما شاكل ذلك ، مما يعبر به عن فضل القائلين على بعض من حيث نطقوا وتكلموا وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد ، ومن المعلوم ألا معنى لهذه العبارات وسائر ما يجري مجراها مما يفرد فيه اللفظ بالنعت والصفة وينسب فيه الفضل والمزية إليه دون المعنى . . . . ، غير أن يؤتى المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته ، ويختار له اللفظ الذي هو أخص به وأكشف عنه . . . وإذا كان هذا كذلك فينبغي أن ينظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف . . . هل يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدلالة ، حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها ، على ما هي موسومة به ، حتى يقال : إن ( رجلا ) أدل على معناه من ( فرس ) على ما سمى به ؟ وحتى يتصور في الاسمين الموضوعين لشيء واحد أن يكون هذا أحسن نبأ عنه وأبين عن صورته من الآخر . . . وهل يقع في وهم - وإن جهد - أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة وتلك غريبة وحشية ؟ أو أن تكون حروف هذه أخف ، وامتزاجها أحسن ؟ ومما يكد اللسان أبعد . . . . وهل قالوا : لفظة متمكنة ومقبولة ، وفي خلافه : قلقة ونابية ومستكرهة ، إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها ، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم ، وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها ، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لفقا للتالية في مؤداها ؟ " ويعرض عبد القاهر أمثلة يدلل بها على ذلك « 1 » . أما ما أورده الشيخ المراغي عن عبد القاهر تحت قوله : " إن الذي ينبغي أن يعوّل عليه في التقسيم شيء آخر . . . إلخ . فنحن نرى أن عبد القاهر لم يرد من ذلك تقسيم علوم البلاغة أو الفصاحة إلى ما يرجع حسنه للفظه ، وما يرجع حسنه لنظمه ؛ بل إن مراده من ذلك هو مجرد إبداء تلك

--> ( 1 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز - تصحيح الشيخ محمد عبده ، والشيخ محمد محمود الشنقيطي ، مكتبة ومطبعة محمد على صبيح وأولاده ، ص 44 - 45 .